الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
167
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
[ الأعراف : 27 ] . فكان معنى الابتلاء ملازما لها . والمعنى : وظنّوا أنّ اللّه لا يصيبهم بفتنة في الدّنيا جزاء على ما عاملوا به أنبياءهم ، فهنالك مجرور مقدّر دالّ عليه السّياق ، أي ظنّوا أن لا تنزل بهم مصائب في الدّنيا فأمنوا عقاب اللّه في الدّنيا بعد أن استخفّوا بعذاب الآخرة ، وتوهّموا أنّهم ناجون منه ، لأنّهم أبناء اللّه وأحبّاؤه ، وأنّهم لن تمسّهم النّار إلّا أياما معدودة . فمن بديع إيجاز القرآن أن أومأ إلى سوء اعتقادهم في جزاء الآخرة وأنّهم نبذوا الفكرة فيه ظهريا وأنّهم لا يراقبون اللّه في ارتكاب القبائح ، وإلى سوء غفلتهم عن فتنة الدّنيا وأنّهم ضالّون في كلا الأمرين . ودلّ قوله : وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ على أنّهم لو لم يحسبوا ذلك لارتدعوا ، لأنّهم كانوا أحرص على سلامة الدّنيا منهم على السلامة في الآخرة لانحطاط إيمانهم وضعف يقينهم . وهذا شأن الأمم إذا تطرّق إليها الخذلان أن يفسد اعتقادهم ويختلط إيمانهم ويصير همّهم مقصورا على تدبير عاجلتهم ، فإذا ظنّوا استقامة العاجلة أغمضوا أعينهم عن الآخرة ، فتطلّبوا السلامة من غير أسبابها ، فأضاعوا الفوز الأبدي وتعلّقوا بالفوز العاجل فأساءوا العمل فأصابهم العذابان العاجل بالفتنة والآجل . واستعير عَمُوا وَصَمُّوا للإعراض عن دلائل الرشاد من رسلهم وكتبهم لأنّ العمى والصمم يوقعان في الضلال عن الطريق وانعدام استفادة ما ينفع . فالجمع بين العمى والصمم جمع في الاستعارة بين أصناف حرمان الانتفاع بأفضل نافع ، فإذا حصل الإعراض عن ذلك غلب الهوى على النّفوس ، لأنّ الانسياق إليه في الجبلّة ، فتجنّبه محتاج إلى الوازع ، فإذا انعدم الوازع جاء سوء الفعل ، ولذلك كان قوله : فَعَمُوا وَصَمُّوا مرادا منه معناه الكنائي أيضا ، وهو أنّهم أساءوا الأعمال وأفسدوا ، فلذلك استقام أن يعطف عليه قوله ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . وقد تأكّد هذا المراد بقوله في تذييل الآية وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ . وقوله : ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أي بعد ذلك الضّلال والإعراض عن الرّشد وما أعقبه من سوء العمل والفساد في الأرض . وقد استفيد من قوله : أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ وقوله : ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنّهم قد أصابتهم الفتنة بعد ذلك العمى والصمم وما نشأ عنها عقوبة لهم ، وأنّ اللّه لمّا تاب عليهم رفع عنهم الفتنة ، ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا ، أي عادوا إلى ضلالهم القديم وعملهم الذّميم ، لأنّهم مصرّون على حسبان أن لا تكون فتنة فأصابتهم فتنة